محمد جمال الدين القاسمي

231

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة اللّه تعالى ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث . فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلادك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا مظلم عندك أيها الملك ! قال : فقال له النجاشيّ : هل معك مما جاء به عن اللّه من شيء ؟ قالت : فقال له جعفر : نعم ! فقال له النجاشيّ : فاقرأه عليّ . قالت : فقرأ عليه صدرا من ( كهيعص ) قالت : فبكى ، والله ! النجاشيّ حتى اخضلّت لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم . ثم قال النجاشيّ : إن هذا ، والذي جاء به عيسى ، ليخرج من مشكاة واحدة . انطلقا ، فلا ، واللّه ! لا أسلمهم إليكما ولا يكادون . قالت : فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص : واللّه ! لآتينّه غدا عنهم بما أستأصل به خضراءهم ( أي شجرتهم التي منها تفرعوا ) . قالت : فقال له عبد اللّه بن أبي ربيعة - وكان أتقى الرجلين فينا - : لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا . قال : واللّه ! لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد . قالت : ثم غدا عليه من الغد فقال : أيها الملك ! إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما . فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه . قالت : فأرسل إليهم ليسألهم عنه . قالت : ولم ينزل بنا مثلها قط . فاجتمع القوم . ثم قال بعضهم لبعض : ماذا تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه ؟ قالوا : نقول ، واللّه ! ما قال اللّه وما جاءنا به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن . قال : فلما دخلوا عليه قال لهم : ماذا تقولون في عيسى ابن مريم ؟ قالت : فقال جعفر بن أبي طالب نقول فيه الذي جاءنا فيه نبينا صلى اللّه عليه وسلم : هو عبد اللّه ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول . قالت : فضرب النجاشيّ بيده إلى الأرض فأخذ منها عودا ، ثم قال : واللّه ! ما عدا عيسى ابن مريم ، مما قلت . هذا العود . قالت : فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال . فقال : وإن نخرتم ، واللّه ! اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي - والشيوم الآمنون - من سبّكم ، غرم . قالها ثلاثا . ثم قال : ما أحب أن لي دبرا - والدبر الجبل - من ذهب وأني آذيت رجلا منكم . ردّوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها .